ابن حزم

318

رسائل ابن حزم الأندلسي

فتمادى وتمزق الرداء ، وبقيت قطعة منه في يدي لسرعته وإمساكي له ، ومضى ولم أدركه ، فرجعت ودخلت إلى أحمد بن كليب ، وقد كان غلامه دخل عليه إذ رآنا من أول الدرب مبشراً ، فلما رآني تغير وقال : وأين أبو الحسن فأخبرته بالقصة ، فاستحال من وقته واختلط ، وجعل يتكلم بكلام لا يعقل منه أكثر من الترجع ، فاستشنعت الحال ، وجعلت أترجع وقمت ، فثاب إليه ذهنه وقال لي : أبا عبد الله ! قلت : نعم . قال : اسمع مني واحفظ عني ، ثم أنشأ يقول : [ مخلع البسيط ] أسلم يا راحة العليل . . . رفقاً على الهائم النحيل وصلك أشهى إلى فؤادي . . . من رحمة الخالق الجلي قال : فقلت له : اتق الله ! ما هذا العظيمة فقال لي : قد كان ؛ قال : فخرجت عنه ، فوالله ما توسطت الدرب حتى سمعت الصراخ عليه ، وقد فارق الدنيا . قال لنا أبو محمد علي بن أحمد : وهذه قصة مشهورة عندنا ، ومحمد بن الحسن ثقة ومحمد بن خطاب ثقة . وأسلم هذا من بيت جليل ، وهو صاحب الكتاب المشهور في أغاني زرياب ، وكان شاعراً أديباً ، وقد رأيت ابنه أبا الجعد . قال أبو محمد : لقد ذكرت هذه الحكاية لأبي عبد الله محمد ابن سعيد الخولاني الكاتب فعرفها ، وقال لي : لقد أخبرني الثقة أنه رأى أسلم هذا في يوم شديد المطر ، لا يكاد أحد يمشي في طريق ، وهو قاعد على قبر أحمد بن كليب زائراً له ، وقد تحين غفلة الناس في مثل ذلك الوقت . وقال لنا أبو محمد : وحدثني أبو محمد قاسم بن محمد القرشي ، قال : كتب ابن كليب إلى محمد بن خطاب شعراً يتغزل فيه بأسلم فعرضه ابن خطاب على أسلم ، فقال : هذا ملحون ، وكان